ابن عجيبة
384
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم نهضهم إلى الجهاد ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 41 إلى 42 ] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 42 ) قلت : ( يهلكون ) : حال من فاعل ( يحلفون ) ، أو بدل منه . قال في القاموس : ( الشقة ) - بالضم والكسر : البعد والناحية يقصدها المسافر ، والسفر البعيد والمشقة . ه . يقول الحق جل جلاله : انْفِرُوا للجهاد مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، حال كونكم خِفافاً ؛ نشاطا ، وَثِقالًا ؛ كسالى لمشقته ، أو ( خفافا ) لمن قلّ عياله ، ( وثقالا ) لمن كثر عياله ، أو خفافا لمن كان فقيرا ، وثقالا لمن كان غنيا ، أو خفافا ركبانا ، وثقالا مشاة ، أو خفافا بلا سلاح ، وثقالا بالسلاح ، أو خفافا شبابا ، وثقالا شيوخا ، أو خفافا أصحاء ، وثقالا مرضى . ولذللك قال ابن أمّ مكتوم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أعليّ الغزو يا رسول اللّه ؟ قال : « نعم » ، حتى نزل : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ « 1 » . وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : بما أمكن ؛ إمّا بهما أو بأحدهما ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من تركه ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في ذلك من الأجر العظيم والخير الجسيم ، أي : لو علمتم ذلك ما قعدتم خلف سرية . ثم عاتب من أراد التخلف ، فقال : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً من الدنيا ، وَسَفَراً قاصِداً ؛ متوسطا أو قريبا ، لَاتَّبَعُوكَ أي : لو كان ما دعوا إليه أمرا دنيويا ، كغنيمة كبيرة ، أو سفرا متوسطا ، لا تبعوك ولوافقوك على الخروج ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي : المسافة التي تقطع بمشقة ، وذلك أن الغزوة - أي : تبوك - كانت إلى أرض بعيدة ، وكانت في شدة الحر ، وطيب الثمار ، فشقت عليهم . وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي : المتخلفون إذا رجعت من تبوك ، معتذرين ، يقولون : لَوِ اسْتَطَعْنا الخروج لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ، لكن لم تكن لنا استطاعة من جهة العدة والبدن وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه . يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بوقوعها في العذاب ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في ذلك ؛ لأنهم كانوا مستطيعين الخروج ، وإنما قعدوا كسلا وجبنا ، واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) الآية 61 من سورة النور .